ما يدورُ في دماغي/ يناير

(١)

الجنّة.. حلمٌ جميل، ومستقبلٌ قريبٌ آتٍ، أحيانا أتساءلُ كيف الجنّة؟ فتجيبني نفسي ببساطة: سعادة مطلقة! فأتخيّلُ تلك السعادة؛ عذبةٌ لا تشوبها شائبة ولا يكدّرها كادر، مجموعة متصلة لا متناهيةٌ من سعادات كثيرةٍ متنامية متدفقة تُغدقَ على القلب حتى تثمله ثمالةً تحفظهُ لا تخبلُه.

أوليستَ هِي مالا خطرَ على قلبِ بشر؟ إنّنا دائما نتخيلُ السعادة في كلّ شيء نريده، مملكة ًأو قصرا أو رفيقا جميلا أو حاجاتٍ مُسِرّة ولو كانت صغيرة، لكن هل تخيّلنا استمرار الشعور بالسعادة دون أن يتسربّ إلينا أي شعورٍ آخر؟دون أن تزلق منّا تلك السعادة؟ ولو حاولنا تخيّل كنه ذلك لما استطعنا، إنّ أدمغتنا تعجزُ عن تصور الغرق في سعادة أبديّة لا ينتشلُنا منها شيء، إنّها لا تملكُ خلفية سابقة ولا تجربةً مسبقة فأنّى لها أن تعرف؟ إنّ سرّ النعيم في الجنان هو”الدّيمومة“ تلك هي الروح التي تُنفخ في عنصر النعيم فتدمغهُ بصفة”الأبدية“ وكلاهما أبتُ الأرض اعتناقه وكذا بنوها، بل إنّ شمس الأرض يوما تقرّ بانعدام الأبدية في هذا العالم فتطلعُ من مغربها لتفنى بعد ذلك معلنةً بزوغ حقبةً جديدة في الدنيا حقبةٌ أخيرٌ أبدية عنوانُها: خُلود.

«يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: وهلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، فيُذْبَحُ، ثُمَّ يقولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ» حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(٢)

كنتُ عندما أكتبُ قصةً ما أو تردني فكرة تعجبني أسرُّ بها، وأقنعُ نفسي بكفايتها خوفا من إفسادها بمزيدٍ بحثٍ وتفكير، فيتوقفُ عقلي عن الإدرار والسعي والإبداع بسبب الخوف والتردّد، وكذا عندما تبرزُ في رأسي فكرةٌ ما وأسمحُ للخوف أن يدفعني للتراجعُ عنها لعجزي عن الإيفاء بحقّها وحسن صناعتها وتنفيذها؛ على سبيلِ المثال: لقد فكرتُ لاحقا بعد وقتٍ من كتابة الأسطر السابقة في إنشاء تصنيفٍ جديد في المدونة تحت عنوان: أفكار أو ما يدور في دماغي، أسجل فيه أفكاري في سلسلة شهرية، ثمّ عاودتُ النظر في الأمر مخاطبةً ذاتي بقولي: لا تتعجلي بهذا القدر؛ إنّك ما كتبتي غير فكرتين لا أكثر، قد لا تكتبين المزيد! ولم أنه كتابة الكلمة الأخيرة حتى لاحظتُ ما كتبته منذ ساعات فقط، وهذه ثمرٌة من ثمرات الكتابة: تذكيرنا بتنفيذ ما نعتنقهُ من أفكار، إذًا على الكاتب أن يكون مغامرا، أن يناقشْ عقله بشكلٍ دائم ويستخلص أفضل ما لديه و يؤمن بالتدفق اللامحدود من الأفكار في دماغه والتي قد تفاجأه هونفسه.

(٣)

كيف لقدسيّة الشعور أن تنسكب رويدا رويدا دونما إهدار قطرةٍ واحدة من ذلك الترياق الخالد وتظهر لامعة في إناءٍ من الكلمات؟ كيفَ للشعّر أن تضمّهُ ورقة!

(٤)

لديّ دفترٌ أبيضْ على غلافه مشهد هادئ لقطار يمرّ قرب بحرْ أو نهرٍ ربما، وقد لاحظتُ أنّني بقيتُ لمدة أخالُ البحرَ الأزرق مرجًا أخضر! وبالتفكير في الأمر لاحظتُ أنّ عقلي دوما ما يختارُ الأخضر في سهلٍ ومرجٍ وحقلٍ وغيرِها للتعبير عن بهجته وأنسه وفرحه، إنّ البرية الخضراء كلّها تمنحُك الشعور بالحريّة والتحليق والانطلاق بقوة نحو اللاحدود، لكن ألا يمكنُ للبحرِ أن يقدم الأمر نفسه؟ سؤالٌ كثيرًا ما راودني حين جلوسي على الشاطئ وتأمل الأفق خلف البحر، وكان يتراءى لي على الرغم من زرقة البحر الساحرة وفضائه الشاسع أنّ ثمّة مسحةٍ من حزنٍ تلفه وخيطًا من غموض يحدّه، وكأنّ كهل الحزن العجوز حين مرّ بالبحر يوما أسقط فيه حبّهُ ”الغموض“ ولم يستردّه أبدا فبقي جزءٌ من الحزن ساكنٌ في عمق البحر، لكنّه حين مرّ بالحقول جلس يبكي ثم أعجبتُه سيدّة الأمل التي وقفت تتأمّلهُ من بعيدٍ خلف الشجرة فصار يركضُ نحوها وأنساه الأمل الشاسع في الحقول الخضراء نفسه، حين أفكّر في بيتي الأزرق، أدركُ الآن لماذا يلفّه شيء من الحزن رغم أنّني ما أوجدتُه إلا لتسليتي وإبهاجي، فقد اختلقتُه في وقتٍ كنتُ فيه تعيسةً للحدّ الذي دفعني لبنائه قريبا من البحر ورأيتُ أنّه خيرٍ أنيسٍ لي تلك الساعة.

(٥)

بكتابتي الكلمات الأخيرة غمرني عذبٌ من شعورِ الإمتنان للأستاذ أحمد وما طرحه من أفكار في أحد مقاطعه في اليوتيوب تحت عنوان عشرة أمور ينبغي فعلها قبل بلوغ ٢٥ عاما ، إذ إنّه دفعني لكتابة أفكاري وبدأ هذه السلسلة، لقد استحوذت عليّ دهشةُ إدراك جديدٍ مفادهُ أنّ القبض على الأفكار في عقلك وابتداءُ الكتابةِ عنها يدرُّ الكثيرُ مما لا يمكن تصوّره من المشاعر والكلمات والعبارات تباعا حتى تُخلق لوحةٌ مذهلة لقصة أو رسالة أو مقال أو كتاب حتى!

(٦)

حين يتألم الجسد لا يستطيعُ العقلُ أن يفكر إلّا في الألم، فيظلّ مشغولا بالعثور على طريقة لإيقاف ذاك الألم.

(٧)

من المذهل أن يتمكّن إنسانٌ- لاسيّما إن كان كاتباً– من تذكّر مشاعره الطفوليّة بدقة ولو في مواقف معيّنة، على سبيل المقال كيفيّة اتخاذه القرارات البسيطة للغاية؛ كالتهام قطعة حلوى من الصندوق دون إذن، أو الإكثار من تناول الزيتون من الثلاجة على الرغم من تحذير أمّه، وتسلّقه مكتبة أبيه أثناء غيابه والعبث بالكتب، والرسم على الجدار بفوضويّة تامة، كلّ ذلك النوع من الأحداث الطفولية الخالصة إن تمكن من وصفها بدقة وما يدور في عقله من حوارات واستعدادٍ لردود الأفعال وتفاعله معها، هل كان يعدّ نفسه للمواجهة أم لا تخطر له أصلا أم كان يتجاهلها، وربما لم يتمكن بعقله الصغير فهم سبب محدد لردود أفعال الكبار الغاضبة إزاء ما يفعل، وربما وصل إلى اتخاذ سبب غير السبب، يسندُ إليه غضبهم ذاك.

كلّ تلك المشاعر الطفولية إذا تمكنّ أحدٌ من تذكرها بدقة ونقلها للكلمات بنفس الدقة فسيصنع من ذلك ثروة أدبية تربوية لفهم العالم الطفولي، من المهم ألّا يكون الكاتبُ متأثرًا بتلك المواقف بطريقةٍ تسلبُه الموضوعية وتدفعه للتحيّز لطفولتِه، ومن الصعب امتناعُ ذلك مطلقا لأنّ الكاتب لابدّ متأثرٌ بشعوره السابق واللاحق حيال ما حدث في صغره، لذلك فإن من الطرائق المستعاض بها عن التذكر سؤالُ أطفالنا في طريقة ودية عن من مشاعرهم تجاه تلك المواقف التي نعدها نحن الكبار أخطاء، ولا ريب ستدهشنا طريقتهم المختلفة كليّا في التفكير ولا شك أنها ستكون مفتاح العثور على حل لتلك المشكلات وعلى ذلك قامت كتب التربية وحلولها، هنالك قصة تحدثت عنها ندى وذكرت مندهشة ردود فعل صغارها على تلك القصة التي لم تعجبها أصلا، ويمكن من رد الفعل ذاك أن تدرك الأمّ حاجة الطفل إلى غرس قيمة ما مع ملاحظة السبب الذي لم يبرز تلك القيمة ، كقيمة الصدق في قصة الكوسا التي تحدثت عنها ندى، والسبب الذي لم يغرز تلك القيمة هو حاجة الطفل للمرح والقيام بالمقالب المضحة، وعليه حين يصدر من الطفل تصرف مشابه؛ لا يُغضب منه فورا ويصدر عقاب إزاء فعله؛ بل ينبغي تفهّم حاجته للمرح وقصوره عن فهم الخطأ فيعالج الأمر بالنظر لكافة العوامل، بالحديث عن الأمر تذكرت تدوينة كتبتها مها بعنوان مباهج طفولية.

(٨)

إذا أردت أن تؤثّر في شخصٍ ما فاترك له الخطوة الأولى وهي الاختيار، على سبيل المثال إذا أردت تصحيح مفهوم أو تصرف خاطئ انتشر بين الناس أو أردت طرح فكرة ما، ومهما كانت صحيحة تماما فلا تحكم بإيجابها على الجميع فورا ودون مناقشة- لا تقل مثلا إن من الواجب كذا- بل ضع الفكرة أمامهم وأثني عليها وعلى من انتهجها وستجدُ الجميع يسعى لإثبات نفسه ضمن تلك الفكرة وذلك التصرف، حتى دون أن يمعن التفكير فيما قلته ربما! يرجع السبب خلف ذلك الاقناع أنّك وضعته أمام خيارين اثنين: إما أن يكون مع الفئة التي تقوم بالصواب تلك التي أثنيت أنت عليها، أو مع الفئة الأخرى- والتي بقي في ذهن القارئ خداعا أنها الغالبية المخطئة في حين أنّك لم تتطرق إليها أصلا – وبالتالي فإنه ينأى بنفسه عنها دون تفكير.

(٩)

حين ننسى حقيقة رحيلنا عن هذه الدنيا، وأنّه ليس أحدُنا سوى رجلٍ مرّ بشجرةٍ قعد في ظلّها ثم قام وتركها، حين ننسى هذه الحقيقة نعلقُ في دوّامةٍ ساحقة من التساؤلات المبهمة، ونفود الصبر المغضِب، وتعاسةٍ مطلقة، وكلّ ذلك لا سبيل لانقشاعه وجلائه إلا العودُ إلى الطريق وإلى حقيقة الدنيا ”العبور“ كما ذكرها أ.عبد الله الوهيبي في حديثٍ له بعنوان: ترويض الكآبة تلك الحقيقية التي عبّر عنها بالعبور؛ تلوح للتائهين كسفينة تنجيهم من لجّة الضياع وتقلّهم إلى طريق الشجرة ليعبروا على عجلة قبل أن يصلوا إلى أبديّة النعيم.

«مَا لي وَللدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(١٠)

في طريق مشيي الذي يمرّ بالحقول تراءت لي بعض من الأفكار والتساءلات كما هي عادتي حين أتأملُ الطبيعة، إذ هبّت في داخلي لفحة حبّ غمرتني؛ حبّ أزليٌّ ما عرفتُ له سببا! ثمّ تبيّنتُه فإذا هو حبّ العبد لخالقه ومالكه ورازقه وحافظه، فبينما أنا غارقةٌ في ذاك الحبّ إذ غمرني تساؤل كان جوابه بديها، قلتُ أوليس صبر الإنسان على فَقده من الأدب والعدل، إذ أين ما استردّه الله من بين كلّ ما وهبه؟ أين اليد من كامل الجسد؟ أين الصحة من كامل العطايا، أين الثروة من واسع النَّعم؟ أينَ شيءٌ من كلّ شيء! هل يجحد الموهوب كلّ هباته إذا ما واحدا منها افتقد؟ وإنّ من أحسن ما قيل في الصبر قولُ ابن الزبير حين قطعت قدمه: ” اللهم لك الحمد، كان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا، ولئن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ قد ابتليتَ فلطالما عافيتَ، فلك الحمد على ما أخذتَ وعلى ما عافيتَ، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوء قط، ولقصة عروة ابن الزبير تكملة هُنا.

(١٢)

الشعورُ الذي يراودك بأنك لن تستطيع في يومٍ من الأيام أن تواصل السعي شعورٌ غير صحيح في الغالب، لأن الإنسان يعتادُ كلّ شيء مادام على قيد الحياة؛ فحتى الأنثى تعتاد أن تكون كلّ شيء في حياة أسرتها وإلى الأبد، فتكون زوجة و ووالدة ومرضعةً وأمّا طباخة ومعلمّة أخلاق ومدرسةً كاملة وصديقةً وطبيبة ومعالجة نفسية وخادمة، ومساعدة، كلُّ شيء! وعلى مدارِ عمرٍ بأكمله، ودون أن تمتلك خيار الاستسلام والتراجع ك، إذًا ألا تشعر أبدا أنها تعبت من كلّ هذا؟ بلى، لكنّها اعتادت الأمر فحسب.

سألتُ أمي هذا الصباح كيف استطاعت أن تكون هكذا كلّ تلك السنوات؟ ألم ترغب مرة بترك كلّ شيء خلفها والهربَ بعيدا؟ فأجابت: بلى، كثيرًا ما رغبتُ في الهرب والتوقف عن ما أقوم به. فأردفتُ مستعجبةً: ثمّ ماالذي حدث؟ قالت: لا شيء! في كلّ مرة كنت أستيقظ في الصباح، أتوجه إلى المطبخ وأتابع فعل ما أفعله منذ عشرين عاما.

(١٣)

من المهمّ جدا ألا يتلاعب الكاتبُ بمنطقيةّ الأفكار في قصته، لابد أن تمضي القصة بأقادر متماسكة مترابطة منطقية ومتصلة، وإلا لما تحقق عنصر الاكتفاء الذاتي والاستقلالُ الروحيّ للقصة، سيشعرُ القارئ أنّ ثمة خللاً ما وأنّ ما يقرأُه قصةٌ كتبها كاتب ولم تكتبها الحياة.

لذلك فالقصة الرائعة هي تلك التي يظنّ قارئها أنه يقرأ حقيقةً وقعت منذ زمن حيّة وصادقة مستقلّة بذاتها عن الحياة التي نحياها، لا محض كلماتٍ كوّن منها كاتبُها قصةً ميتة أو هزيلة، هناك كتاب رائع في هذا الشأن؛ يبرز الكثير من الأفكار والنقاط المهمة لكتابة القصة بعنوان رسائل إلى روائي شاب.

(١٤)

على مائدة الإفطار هتفت أمّي بعد أن التهمت لقمةً من الخبز والعسل: إنّ مجيء الإنسان للدنيا يشبه نزول آدم للأرض، لقد كان الإثنان في أكثر الأماكن بردًا وسلاما واطمأنانا في الحياة وإذ بهما قد خلد إلى أرض موحشة مخيفة يضربان فيها السبل لينجوان.

وقد أدركتُ إذ ذكرتَ والدتي الأمر لماذ يكون جلّ ما يبحثُ عنه الإنسانُ حين ينضج ويكبر هو الطمأنينة! فهو يبحث عن حالته الأصلية وموطن انبعاثه الأول: السلام والراحة، ليست السعادة والمغامرة والمرح، بل السلام والطمأنينة فحسب.

(١٥)

إنّ غالب المربيين يقارنون أفعالهم الطيبة بالأفعال السيئة التي عوملوا بها في صغرهم، لذلك ينظرون إلى ما يقومون به بعين الرضا والإعجاب، ولا يرون وجه القصور فيه إن كان موجودا، فتمنعهم تلك الطريقية في التفكير من تحسين أساليبهم التربوية، لذلك ربما يكون الأجدر للمربي أن ينظرَ للأمر نظرة منهجية وموضوعية ويسألُ نفسه بعد كلّ تصرف: هل كانت تلك أفضل طريقة لفعل الأمر أم هناك ما هو أفضل؟

(١٦)

ليس سهلا أن يدرك الإنسان في وقت متأخر أنه لم يكن جميلا أبدا! وليس جميلا أن تبحث عن الجمال طوال حياتك كما لو أنه يشترى.

(١٧)

من المؤلم الموتُ شتاءً، لقد ماتت جدتي في الشتاء وكنتُ كالجميع أعدّ الأيام في انتظار الصيف بفارغ الصبر أملا أن يجلب معه الشفاء لجدتي، لكنها ووريت التراب في يومٍ بارد للغاية ولم تدرك بزوغ شمس الصيف المشرقة ذلك العام، كم هو مؤلم أن تموت منتظرًا الدفء!

(١٨)

لا يرغبُ أحدٌ أن يموت وحيدًا، لأجل ذلك يتزوج البشر، يرغبون أن تمسك يدٌ شخصٍ ما أيديهم، يبحثون عن الانتماء بحث الظمأن عن السقاء، لذلك يتخلّون عن جزء من حريتهم لقاء عبودية الحبّ! ليسُ الحبّ الصادق عبوديّة بالمعنى المهين إنما معنىً يألفهُ الإنسان بل ويحسّه جزءًا من وجوده وكينونته، أوليس الجميع عبيدا للإله؟ وهل أحبُّ من شيءٍ وأروع من شعورِ أن تكون عبدا محبّا ومحبوبا للإلهك الذي خلقك، لذلك يبحثُ كلّ من الرجل والمرأة عن الجزء الذي يكمل نقصهم ويملأ الفجوة في قلوبهم، وحين يصلون للحبّ يصبحُ كلّ منهما عبدٌ للآخر.

وبين هذا الشعور الذي أتحدث عنه والشعور الآخر الذي يسيطرُ على عقلي وقلبي أجدني تائهة بين الاثنين، من الداخل أرفض برعب فكرة الاقتران بإنسان والانفصال عن موضعي من هذا المجتمع كفتاة عزباء ابنةٌ لأسرة صغيرة، لا شيء يقيدها أو يحكم عليها سوى المسؤوليات المعتادة من بحث وتعلم وعمل، أجد في هذه الاستقلالية راحة نفسية مطلقة وسلاما عقليا لذيذا، ولا أجد في نفسي أية طاقة للتفكير في التخلي عن كلّ ذلك الآن، لكنّني حين أفكر في المستقبل ينهشني القلق، الجميع يقول لي: لنقل أنّ هذه المرحلة من عمرك رائعة مذهلة ولا شيء مزعجٌ فيها، لكن ماذا بعد أن يتزوج جميع إخوتك وأصدقاءك، عندما لا تجدين والديك حولك، مالذي ستفعلينه؟ كيف ستعيشين وحيدة هكذا؟ حينها وحين تصلُ بي الأفكار حتى هذه النقطة تصيبني قشعريرة باردة مخيفة، البارحة استيقظت في الرابعة فجرا وخطرت لي تلك الأفكار، كدتُ أبكي حين أدركتُ في خيالي الوقت الذي لن يكون حولي فيه أحد، حتى أمي! كم هو مؤلم، دوما ما تساءلت عمّا إذا كان بإمكان حكاية امرأة عزباء جاوزت منتصف العمر أن تغيّر أفكاري، ودائما ما تساءلت، مالذي كانت لتقوله؟ وأعني بذلك امرأة اختارت أن تكون عزباء طوال عمرها ووجدت في العزوبيّة متعةً أثيرة، حتى قرأت هذه الخاطرة المترجمة لامرأة عزباء جاوزت منتصف العمر، من المؤلم أن تكون تائها.. من المبكي أن تكون عاجزا.

(١٩)

يغدق الإنسان على من حولَه ممّا أُنبت منه، فإن أنبتهُ أبواه حسناً، أغدق ظلا وثمرًا، وإن ضنّا عليه بالسقاء لم يخرجُ منه سوى الجدب والقحط، فلا ثمرًا أثمر، ولا ظلّا أشمل.

(٢٠)

هبّت رائحة مسكرةٌ لأوراق الكافور العطرة، والغريب أنّني في سريري أحتمي من برد السابعة صباحا، ولستُ في الحدائق والحقول وليست بقربي أية شجرة! ربما تخيلتها، يحدث كثيرا أن أشتمّ من غير سبب روائح أحبّها كرائحة البطيخ والشمام الألذ، ورائحة المانجو الشهية، ورائحة كعك أمي بالزبدة، والآن رائحةُ الكافور!منذ البارحة تدور في دماغي كثيرٌ وكثيرٌ جدا من الأفكار لكنّني لم أدون منها سوى واحدة فقط، حيثُ سيطر عليّ وحش الكسل الألدُّ مجددا، أكره الخسارة مقابله لكنّه ثقيلُ الوزن للغاية يلقي بي أسفل جثته الصخمة ويخنقني أسفله فلا مُقام لي قبل انصرافهِ مختارا، فأيّ سرورٍ يصيبني إذا ما انصرف، وأيّ طاقة تغمرني لأكتب وأكتب، أم هل تراه قد انجلى عنّي حماسُ البداية؟ أتذكر أحد الأيام قبل سنة أو أقلّ قررتُ لسبب ما تدوين الأفكار كنتُ وقتها أقرأ مذكرات سيلفيا بلايث وكانت تطرح كلّ ما في عقلها بعشوائة مطلقة وقد أسرّتني طريقتها تلك وأمتعتني فقررت تجربة الأمر وقد دوّنت كثيرا وقتها لكنني فوجئت بالخمول القاتم يصيبني بعد مدة قصيرة وتركتُ الأمر سريعا ونسيته، والآن خطر لي أن أعيد الأمر بعد أن شاهدت المقطع الذي ذكرته في بداية التدوينة.

(٢١)

لماذا انتحرت كلّ من لوسي مونتغورمسي وفرجينيا وولف وسيلفيا بلايث؟حين أفكر في هؤلاء النسوة الثلاث فإنّ شيئا واحدا يظهر جليّا بشأنهن ألا وهو: براعة الكتابة، إنّني أتساءلُ هل كان لرهافة حسّهن وعمق مشاعرهن علاقةٌ بأن أظلم العالم أمام أعينهنّ في نقطةٍ ما وانتهى كلّ شيء؟

(٢٢)

إنّني أفقد السيطرة تماما والآن فقط أعترف بذلك، لطالما آمنتُ أنّه يمكنّني تجاوز الأمر، من السيء أنّه لا يمكنني الاعتراف بكلّ شيء هنا؛ لم يخطر ببالي أنّني قد أحتاج عالما يجهلني وأجهله لأتحدث أليه- لقد أحبّبت هذه المدونة وقد نمت في داخلي رغم عمرها الصغير بعد، لكن لم أعد أشعر بالأمان تماما هنا، إنّني غيمةٌ دخانٍ بشعة لا ضوء فيها ولا هواء، أركض خلف تعاستي ركضا ولا شيء قادرٌ على إخراجي وكلما غرقتُ في سحابة الدخان تلك أكثر كلما ازددتُ سوادا وكرها، وكلما نمت في داخلي تلك المشاعر كبُر وحشُ الغضب في داخلي حتى ليكاد يلتهم كلّ من هم حولي، ثمّ في نهاية الطريق تنتظرني الخيبة و الوحدة جثتين لمّا تتعفنا، ملقاتان في نهاية ذاك الطريق يشكّلُّ وجهُ كلّ واحدة منهما لوحة بارعة للأسى والموت، يعلنُ وجودهما هناك نهايتي الحتمية المشابهة، لكنّني لم أصل لنهاية ذلك الطريق بعد.

(٢٣)

أرتدي قميصا صوفيا وكنزة صوفية ومعطفا قطنيا ثقيلا، وبنطالين- هذه أوّلُ مرة أرتدي فيها بنطالين- وأختبأ تحت غطائين ثقيلين، وأشعر أنّ قدمي تختنق، أريد أن أنزع عنّي كلّ هذا وأقفز في الربيع. عندما تسوء الأحوال الماديّة في بيتك فمن الصعب الحصول على قطعة من الشوكلاتة، لقد ألقيت لي قطعة لذيذة من الكتكات للتوّ، تناولتُها مغتبطة، وتبدّد خيط من الدخان الأسود، من المؤكد أن السكر يحتوي على شيء ما يجعلُ المرأ سعيدا؛ على الأقلّ لوقتٍ قصير.

إنّني جدّ متأسفة لأجل من من مات حزينًا.

تحديث: لقد توقف المطر لكنّ الرياح لا زالت تعصف، عليّ التقاط كنزتي الصوفية عن حبل الغسيل قبل أن تحلّق بعيدا، إن تساءل أحدٌ ما عن الكنزة فقد هطل المطر فوقها تماما لكنني أدركتها قبل أن تغرق. ملاحظة: هل بدأتُ أخلط بين تدوين اليوميات والأفكار؟ إجابة: وهل اليوميات إلا مجموعة من الأفكار والأفعال؟

(٢٤)

وما الذي قد يجلي عن الرّوح اتسّاخاها والزخم؟ هل من صديقٍ صالح يمدّ يديه، يبثّ في روحك روحا وفي قلبك عزما وفي بدنك استكانا ويدلّك الطريق من جديد؟

(٢٥)

يحرص الأطفال دائما حتى عندما يكبرون على رضى آبائهم، ربما ليس بالمعنى الحقيقي للبر لكنّهم لا يرغبون برؤية آبائهم في حال سيئة بسببهم فهم إما يسارعون لإرضائهم أو ينكمشون على أنفسهم نادمين محزونين وحيرى في كثيرٍ من الوقوت ومغمورين بالعجز التام عن كيفية إصلاح الأمر وفي أحيان كثيرة قد يبدو للوالدين موضع الإصلاح سهلا منتظرا من أبنائهم غافلين عن العجز الذي يمكن له أن يسيطر عليهم مانعا إياهم من رؤية ما يراه الآباء، فيخذل الآباء في أبنائهم وتشوّه الصلة بين الابن وأبيه دون رغبة منهما في ذلك.

اكتشفتُ مؤخرًا أن كثيرا من المرات التي أنطوي فيها على نفسي حزينة بسبب غضب أبي وعجزي عن إرضائه، كنتُ أحزن وأغضب بلا حاجة إلى ذلك، ففي كثيرٍ من الأوقات لم يكن أبي يدرك أنه غاضب بل لم يكن غاضبا أصلا! لقد بدت طريقتُه التي انتهجها في الحديث إلينا طريقة غاضبة لكنها لم تكن تعبيرا عن غضبه مجرد طريقة اعتادها ولم أفطن إلى ذلك إلا متأخرًا! لقد أزال هذا الإدراك عن كاهلي عبءا كبيرًا كان متمثلا في حزني الدائم على غضب أبي الذي أتسبب به وما يلاحقني بسبب ذلك من الدنم الشديد والشعور القاتل بالذنب، خلصتُ من تلك التجربة إلى أمرٍ مهم:

في كلّ مرة كان أبي يصحح لي شيئا أو يطلب مني أمرا أو يحدثني في أي أمر كان يستعيض عن الإفصاح عن رغبته الحقيقية بنبرة صوته الغاضبة فكنت أنشغلُ عن فهم مراده بالدفاع والتبرير لنفسي أمامه والتأكيد على عدم وقوعي في الخطأ، بينما لو أفصح والدي عن رغبته بأسلوب مباشر ونبرة صوت هادئة ربما كنتُ لأوفر على كلينا عناء الجدال المتعب والأصوات الحادة أيضا وما يجلبه كلّ ذلك من قلقا وانزعاج ولقلت: حسنا يا أبي لقد فهمت.. أو إنّني آسفة سأفعل في المرة القادمة،أدرك أنه في جميع الأحوال ينبغي علي ترك الجدال وإثارة أبي، إلا إنّني أعزوا ذلك الرد وتلك الانفعالات المستثيرة إلى رغبة الطفلة داخلي في إثبات نفسها أمام أبيها وأنها ابنته المهذبة التي تقوم بما يريد، إلّا أنني وفي محاولة لإثبات ذلك قمتُ بالعكس تماما وأفسدتُ تلك الطفلة وصنعتُ منها فتاةً ثائرة لا تتوقف عن مجادلة أبيه واستثارته ولو عفوا، إنّني أحاول جاهدة.

(٢٦)

ليس بالضرورة أن تجد في نفسك توقًا للعبادة وإقبالا عليها، قد يتوجب عليك في كثيرٍ من الأوقات أن تدفع نفسك إلى العبادة دفعًا، وتلزمها إلزامًا، فلابد من طولِ المجاهدة لذوق حلاوةِ الوصول. «سيروا إلى الله عرجى ومكاسير»

(٢٧)

إذا وجد لدى كلّ من الرجل والمرأة القدرة على مصارحة شريكه بعيوبه وسماعها منه فذاك مؤشر على نضج الشريك وقدرته على إنجاح العلاقة، لأنّ القدرة على تقبّل النقد وسماعه والسعي في تغييره دون أن يخلق ذلك مشكلةً دليلٌ على النضج العقلي الذي هو أساسُ نجاح العلاقات وإرساخها.

توقفتْ أفكاري عند هذا الحدّ لشهر يناير، إلى اللّقاء.

2 Comments

  1. بعد ظهر يوم خميس ربيعي، خطر لي أن أقرأ قليلًا، فخطر اسمك في بالي، واتجهت لمدونتك لقراءة بعض تدويناتك العذبة البسيطة التي أحب، فتكون نعم الأنيس في هذا الوقت 🙂
    ما شاء الله لجين! لا أدري هل أطري على أفكارك الناضجة أم على كتابتك المميزة؟ هذه التدوينة بها الكثير من الإبداع، في السطور وبينها وخلفها.
    سعدت جدًا بالتنقل بين أفكارك وخواطركِ، ولامسني بعضها بعمق شديد :”)

    كل التحايا والتقدير والأماني بالتوفيق✨

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s