لو أنّك يا جدّتي!

منذ عدة أيام وفيما كنت أقلب الصور في هاتفي، ظهر أمامي مقطعٌ كنت قد صورته في بيت جدتي كان أخي الصغير يجلس على مقعد أخضر في الشرفة ومن خلفه أشجار الزينة والفاكهة، تحدثه خالتي وتلاعبه وهو باسم الثغر، وفي الداخل حيث أجلس، يعلو صوت التلفاز بآيات من سورة المائدة يتلوها أحد القراء بعذوبة لم أعهدها، أراقب أخي وتراقص الأغصان من خلفه، هذا المشهد الي كنت أراقبه خلف شاشة هاتفي، أثار في نفسي حنينًا وذكرياتٍ غمرتني بالسّكينة فكتبت هذه التدوينة.

لو أنّك يا جدتي على قيد الحياة، لكنت رتبت البيت بنشاط وحماس ومسحت الأرضيات وعطرت المنزل ثم دعوتك من الحديقة فأمطرتني بسيلٍ من الدعوات الحميدة فسعدتُ لها، ثم بعد العصر سنجلس على الأريكة في الحديقة الخلفية وسنقطف العنب الذي يظلّل خلايا النّحل، ثم سترتاحين على المقعد فيما أنظف العنب تحت صنبور الحديقة، وسأنضمّ إليك لنأكله سويًا، ثم سنشرع في الذكر حتى تغرب الشمس وسأظلّ أراقبك بحبٍ وامتنان طوال الوقت؛ أستمد من قسمات وجهك نورَ سعادتي، ومن ذكْرك همّتي وعزيمتي.

عند الغروب سنردّد الأذان وندلف إلى البيت محلّقين مطمئنّين، نتوضأ ونصلي في الشرفة الأمامية تخبئنا الأشجار ويزورنا عبقها، ويداعبُنا نسيم المساء، وربما جلسنا نتسامر بعد الصلاة بعد أن تأتي الخالة أميمة بصحبتي محتضنة يدها الدافئة فيما تحدثني طوال الطريق وحينما نصل سأجدك وقد وضعت أطباقاً من فاكهة لذيذة، فيما أوقدت خالتي ناهد الموقد لصنع الشاي، وسأجلس بينكم سعيدة باسمة كأكثر مخلوق مبتهج على وجه الأرض، وفيما نتسامر يفاجئنا خالي بعودته وسيثير قدومه بطريقته المعهودة البهجة في نفوسنا، يدخل من البوابة ضاحكاً ضحكته الجهورية المرحة ويحيينا بصوته الودود مطلِقاً نكات سريعة وتحياتٍ كثيرة على الجالسين تصيبهم جميعاً بعدوى الفرح ثم نحتسي الشاي ونتشارك الأحاديث بمودة عظيمة.

لاحاقًا تنضم إلينا بنت خالي -صديقة الطفولة- بعد عودتها من الجامعة وقد صحبتها أمي الغالية فيكتمل اجتماعُنا وتتمد المودة بيننا كأجمة أزهارٍ عظيمة، ثمّ يصلي بنا خالي العشاء جماعة، بعدها أذهب وابنةُ خالي لنتمشى خارجاً بعد أن نوصل خالتي لبيتها، نتهادى بسرور على الطريق الموصلة للبيت، تبيت معي عندك يا جدّتي ونكمل الثرثرة على السرير حتى تغفى أعيننا، فيما تبقين مستيقظة ترتّلين وردك، تنامين من الليل ساعة ثم تستيقظين عند منتصف الليل وتبقين حتى وقت الفجر تصلين وتُرتلين القرآن بخشوع، أعلم ذلك لأنني أستيقظ مرارًا إما لحاجة أو بسبب قرصات البعوض المزعجة، فأخرج إلى الصالة لأجدك هناك جالسة على الأرض ومصحفك أمامك، أبتسم وأغفوا بجانبك حتى طلوع الفجر.

عند الصباح سنخرج معًا لجمع العسل كعادتي كلّما زرتك، ورويدًا رويدًا سأتقن جمع العسل لأنّه ورغم صعوبته في البدء إلا أنه أمرٌ ممتع حقّا! أن نُخرج العسل الذّهبي من بين مئات النحلات القارصة، نتأملُ دَفق العسل ولمعانه تحت أشعة الشمس التي تتخلل أشجار الكرم الخضراء فوقَ رؤوسِنا فتُظلّنا راسمةً بذلك لوحةً من نور تصيبنا بخدرٍ لذيذ، وخرسٍ مهيب، ستنْهرِينَني يا جدّتي عندما لا آخذ الأمر على محمل الجد، لا بأس لتنهريني قدرَ ما تشائين، لكن… فقط ابقي!

10 Comments

  1. يالجين! 😭😭😭اه لو تعود مثل هذه الايام لمستي قلبي بكلامك الحمدلله ان حصلنا علي طفوله مثل هذه 💛🐝🍯سلمت يداك 💛💛💛

    Liked by 2 people

  2. الله يحفظ جداتنا اجمعيين ويرحم من مات منهم يارب العالميييين💛💛💛💛
    تخيلت كل شي معك وانا اقرأ ابدعتييي حرفيًا ماشاءالله💘✨✨

    Liked by 1 person

    1. هذا أثمن تعليقٌ حصلتُ عليه في مدونتي! ♥️
      وسيظلّ كذلك دومًا، آمل أن تسرَّك كلماتي دوماً، وأن تنير الطريقَ لكلّ من يقرأها؛وتوقدَ في نفسه أملاً 🌧🌱

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s